الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

83

القرآن نهج و حضارة

فمن الذي أزال هذه الحيرة والشك ، وأراح الضمير والعقل ومنح النفس الطمأنينة بأن هناك أملا بعد هذه الحياة الدنيا ، وأن الإنسان يبعث من جديد . لذلك تتابعت رسالات السماء لتؤكد وجود حياة أخرى ، حتى جاء القرآن الكريم ليكمل الإجابة على هذه الأسئلة الحائرة . ومن ثم حرص القرآن لكي يضل حيا في النفوس إلى يوم يبعثون ، ما دامت البشرية تلتمس منه الجواب ، وليرفع الحيرة ، وما يشغل بال الإنسان في أمر الحياة وما يحوطها ، فقد رسم لها قواعد عامة يفهم من خلالها الإجابة على كل أسئلته . ومثال على ذلك ما يورده القرآن في قاعدة التحدي المبرهن عليه في سؤال أثاره الملحدون حول خلق اللّه . فلم يسكت القرآن في الجواب فجاء بصيغة الإنكار حيث قال ربنا سبحانه أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ . « 1 » فكان الجواب من اللّه عز وجل ببرهانه المفحم في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ « 2 » وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ . « 3 » ولقد مضى على البشرية منذ أن ضرب لهم اللّه هذا المثل في كتابه أكثر من أربعة عشر قرنا ، ارتاد فيها الإنسان من مجهول الآفاق إلى ما وصل إليه ، وتابع نضاله من أجل كشف أسرار الوجود وأسرار الكون واقتحم الفضاء . ولا تزال البشرية ومنذ آلاف السنين تواصل سيرها لحل أزمة المعرفة عندها ، وستبقى كذلك ما لم تتخذ القرآن منهجا لها . فهي وما تملك من علم ومعرفة محدودة بالنسبة إلى علم اللّه المطلق ومعرفته المطلقة التي جاء بها البيان

--> ( 1 ) سورة الطور آية 35 ( 2 ) سورة الحج آية 73 ( 3 ) سورة الحج آية 73